أحمد مصطفى المراغي
13
تفسير المراغي
الإيضاح ( وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ) أي وأعطينا موسى التوراة وجعلنا فيها هداية لبنى إسرائيل ، وقلنا لهم : لا تتخذوا من دونى وليا ولا نصيرا تكلون إليه أموركم ، وهذه مقالة أوحى اللّه بها إلى كل نبي أرسله ، أمرهم جميعا أن يعبدوه وحده لا شريك له ، وألا يعوّلوا في أمر إلا عليه . وقد جاءت هذه الآية عقب ذكر آية الإسراء بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم من قبل أن موسى أوتى التوراة بمسيره إلى الطور ، كما أسرى بمحمد إلى بيت المقدس . ثم نبّه إلى عظيم شرف بني إسرائيل ، وإتمام نعمته عليهم ، ليكون في ذلك تهييج لهم ، وبيان لعظيم المنة عليهم فقال : ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ) أي يا سلالة ذلك النبي الكريم الذي شمله اللّه بجميل رعايته ، وأنجاه من غرق الطوفان ، بما ألهمه من عمل السفينة التي حمل فيها من كل زوجين اثنين ، أنتم من حفدة أبنائه ، فتشبهوا بأبيكم ، واقتدوا به ، فإنه كان عبدا شكورا أي مبالغا في الشكر ، بصرفه كل ما أنعم اللّه به عليه فيما خلق لأجله ، فاللسان لذكر اللّه ، والعقل للفكر فيما خلق اللّه ، والبصر للتأمل فيما صنع اللّه ، وهكذا بقية الحواس وأعضاء الجسم . أخرج ابن مردويه عن معاذ بن أنس الجهني أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « إن نوحا كان إذا أمسى وأصبح قال سبحان ( اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) . و أخرج ابن جرير والبيهقي والحاكم عن سلمان الفارسي قال : « كان نوح إذا لبس ثوبا أو أطعم طعاما حمد اللّه تعالى فسمّى عبدا شكورا » . وفي هذا إيماء إلى أن إنجاء من كان معه كان ببركة شكره ، وفيه حث للذرية على الاقتداء به ، وزجر لهم عن الشرك الذي هو أفظع مراتب الكفر .